علي بن أحمد المهائمي

254

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

المحققة للذوات ، وعلمت ( ما يعقب ) من صورة العارضة الملذة والمؤلمة . ( كل حال من الأحوال ) العارضة الممكنات ، فهو المنعم والمعذب صورته الأصلية بصوره العارضة المتعاقبة عليهما ( وبه ) أي : وبكون الجزاء صورا متعاقبة على أحوال الممكنات ( سمي ) الجزاء ( عقوبة وعقابا ) . [ وهو سائغ في الخير والشرّ غير أنّ العرف سمّاه في الخير ثوابا ، وفي الشّرّ عقابا ، بهذا سمّي أو شرح الدّين بالعادة ؛ لأنّه عاد إليه ما تقتضيه وتطلبه حاله ، فالدّين العادة ، قال الشّاعر : كدينك من أمّ الحويرث قبلها ، أي : عادتك ] . ثم استشعر سؤالا بأن مقتضى ذلك أن يسمى جزاء الخير أيضا بالعقاب والعقوبة ، فقال : ( وهو ) أي اسم العقوبة والعقاب ( سائغ ) بالمعنى المذكور ( في ) الجزاء ( الخير والشر ) ، كالتواب باعتبار كونه من تاب ، إذا رجع ( غير أن العرف سماه في الخير ثوابا ، وفي الشر عقابا ) للتفرقة بينهما مع الاختصار ، ( ولهذا ) أي : ولتحقق عود الجزاء من الشيء إلى نفسه ، إما من العبد إلى العبد أو من صورة الحق إلى صورته ، ( سمي ) الدين الذي بمعنى الجزاء بطريق النقل ( أو شرح ) أي : فسر من غير اعتبار نقل ( الدين ) المذكور ( بالعادة لأنه ) أي : صاحب الجزاء ( عاد عليه ما يقتضيه ، ويطلبه حاله ) فالجزاء العادة ، فإذا كان ( الدين ) هو الجزاء ، والجزاء ( العادة ) ، فالدين العادة من غير احتياج إلى نقل . واستشهد على استعمال الدين بمعنى العادة بما قال الشاعر « 1 » : كدأبك من أمّ الحويرث قبلها أي : عادتك إذ لا يصح فيه معنى الانقياد ، ولا معنى الجزاء ؛ لعدمهما فيه . [ ومعقول العادة أن يعود الأمر بعينه إلى حاله ، وهذا ليس ثمّ فإنّ العادة تكرار ، لكنّ العادة حقيقة واحدة معقولة ؛ والتّشابه في الصّور موجود فنحن نعلم أنّ زيدا عين عمرو في الإنسانيّة ، وما عادت الإنسانيّة ، إذ لو عادت لتكثّرت ، وهي حقيقة واحدة والواحد لا يتكثّر في نفسه ، ونعلم أنّ زيدا ليس عين عمرو في الشّخصيّة ، فشخص زيد ليس شخص عمرو مع تحقّق وجود الشّخصيّة بما هي شخصيّة في الاثنين ، فنقول في الحسّ عادت لهذا الشّبه ، ونقول في الحكم الصّحيح : لم تعد ، فما ثمّ عادة بوجه وثمّ عادة بوجه ، كما أنّ ثمّ جزاء بوجه وما ثمّ جزاء بوجه ، فإنّ الجزاء أيضا حال في الممكن من أحوال الممكن ، وهذه مسألة أغفلها علماء هذا الشّأن ، أي : أغفلوا إيضاحها على ما ينبغي لا أنّهم جهلوها ؛ فإنّها من سرّ القدر المتحكّم في الخلائق ] .

--> ( 1 ) هو امرؤ القيس كما في قصيدة له من ديوانه ( 7 ) .